الشيخ محمد حسين الحائري

199

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

إطلاق كلامه ففساده ظاهر لان لفظ العام إذا اختص بالعموم وضعا كلفظة كل فإذا أطلق وأريد به البعض كما لو قيل أكرم كل عالم إلا زيدا وأريد بلفظة كل البعض أعني من عدا زيد يكون مجازا قطعا ونظيره في التقييد ما لو قيل اضرب رجلا جاهلا وأريد بالرجل خصوص الجاهل وجعل الوصف قرينة عليه فإنه حينئذ مجاز أيضا ولا يخفى أن مثل هذا الفرض بعيد عن المحاورات وكأن كلام المفصل مبني على ما هو الظاهر المتداول ثم لا يذهب عليك أن دعوى المستدل الاتفاق على أن ألف سنة إلا خمسين عاما حقيقة ينافي ما ذكروه في الاستثناء من مصير الأكثر إلى أن المستثنى منه مستعمل فيما عدا المستثنى مجازا إذ لا مصرح في ذلك بالفرق بين لفظ العام وغيره حجة القاضي ما مر في حجة المفصل المتقدم إلا أنه أخرج الصفة منها نظرا إلى أنه عنده بمنزلة مخصص مستقل وليس تخصيصها لفظيا حيث إن الصفة قد تشمل جميع أفراد الموصوف كما في الصفات التوضيحية كالجسم الحادث والحيوان النامي وقد لا تشتمل كما في الصفات الاحترازية لكن يعلم ذلك من أمر خارج لا من نفس الصفة فلا يتناولها الدليل ولعله يستدل بمثل ذلك في إخراج الغاية والبدل فإنهما لا يستلزمان التخصيص في نفسهما وإنما يستلزمانه من جهة خصوصية المادة والجواب أن الوصف لا يقتضي التخصيص مطلقا بل إذا كانت الصفة أخص من الموصوف وتخصيصها حينئذ لفظي لاستناده إلى مدلول اللفظ وكذا الكلام في الغاية والبدل مع أن التخصيص بالشرط أيضا لا يستلزم الاخراج في نفسه بل لخصوصية المادة بدليل أن قولك أكرم العلماء إن تمكنت لا يفيد التخصيص إذا كان كلهم أتقيأ فالفرق تحكم وتتمة الكلام فيه تعرف مما مر حجة عبد الجبار ما مر إلا أنه استثنى الاستثناء نظرا إلى أنه ليس عنده من التخصيص في شئ لما يراه أن المستثنى منه مستعمل في العموم وأن التخصيص في الاسناد وهذا منه مناقشة لفظية وفسادها يظهر مما مر ثم إنه قد استثنى الغاية والبدل في تحرير الدعوى أيضا ولم يتعرض لهما في الاستدلال والوجه في الأخير واضح لجريان العلة المذكورة فيه وأما الأول فالفرق بينه وبين الشرط والصفة تحكم حجة المفصل بين التخصيص اللفظي وغيره أن المخصص بالدليل اللفظي إذا كان مجازا لكان المسلم والمسلمون مجازا إلى آخر ما مر والكلام فيه على حذو ما سبق حجة الرازي أن العام بمنزلة تكرير الآحاد كما نص عليه العلماء العربية فكما أن بطلان إرادة البعض عند تكرير الآحاد لا يصير الباقي مجازا فكذا ما بمنزلته وجوابه ظاهر لا يحتاج إلى البيان لمنع تساويهما في جميع الأحكام فإن الوضع هناك متعدد فمخالفة وضع البعض لا يقتضي مخالفة وضع غيره بخلاف المقام فصل إذا تخصص العام بمجمل سقط عن الحجية في مورد الاجمال اتفاقا وإنما خصصناه بمورد الاجمال لأنه إذا اشتمل على مورد غير مجمل كما في قولنا أكرم الذين في الدار إلا بعض علمائهم دخل باعتبار غير مورد الاجمال في النزاع الآتي واختلفوا فيما إذا تخصص بما عداه في أنه هل يبقى حجة في الباقي أو لا إلى أقوال ثالثها أنه إن خص بمتصل كان حجة فيه وإلا فلا ورابعها أنه إن كان لفظ العموم منبئا عنه قبل التخصيص كإنبائه عن غيره كان حجة كما في نحو اقتلوا المشركين فإنه ينبئ عن الحربي إنبائه عن الذمي وإلا فلا كما في السارق والسارقة فاقطعوا فإنه لا ينبئ عن كون المال نصابا ومخرجا عن الحرز ولعل المراد الفرق بين العام المخصوص بالشرط أو الغاية وبين غيره فإنه لا ينبئ في الأولين عن عدم تقيد الحكم بالشرط والغاية المستلزمين لعدم تعلقه ببعض أفراده من الفاقد للشرط والحادث بعد الغاية بخلافه فيما عداهما وخامسها أنه إن كان قبل التخصيص لا يحتاج إلى بيان فهو حجة نحو اقتلوا المشركين فإنه بين في المراد قبل إخراج الذمي وإلا فلا كأقيموا الصلاة فإنه يفتقر إلى البيان قبل إخراج الحائض وسادسها أنه حجة في أقل الجمع من الاثنين والثلاث على اختلاف القولين دون ما زاد عليه والحق عندي أنه حجة مطلقا كما عزي إلى أصحابنا وعليه المحققون من مخالفينا وربما ذهب بعض الفضلاء المعاصرين إلى أنه أقوى من العام الغير المخصص نظرا إلى أنه أبعد من احتمال التخصيص لنا على ذلك بعد مساعدة القواعد اللفظية عليه فهم أهل العرف منه لحوق الحكم للباقي بعد التخصيص ولهذا يذم العبد إذا قال له مولاه أكرم من دخل داري إلا زيدا أو قال بعد ذلك لا تكرم زيدا فترك إكرام غيره أيضا ولا ريب أن فهمهم إذا استند إلى اللفظ كان حجة وأيضا فإن الصحابة وتابعيهم كانوا يستدلون بالعمومات المخصصة من غير نكير فيهم وذلك منهم إجماع على حجيتها وقد يستدل بأن اللفظ كان متناولا للباقي فيستصحب وارتضاه بعض المعاصرين بناء على أن يكون المراد استصحاب حكم التناول الظاهري بمعنى أنه كان حجة في الجميع وكان يجب العمل بمقتضاه فيه فخرج المخرج لقيام الدليل وبقي الباقي فيستصحب حجيته ووجوب العمل به فإن أريد به التناول الواقعي فهو مختص بما يكون تخصيصه بدائيا ولا علم به أو التناول الظاهري فلا معنى لاستصحاب الظهور والسر فيه أن ظهوره في الباقي قبل التخصيص ظهور تبعي وضعي بخلافه بعده فلا يتحد الموضوع ليستصحب وقد يستدل أيضا بأنه لو لم يكن حجة في الباقي لكان تناوله له متوقفا على إفادته للمخرج والتالي باطل أما الملازمة فظاهرة وأما بطلان التالي فلان التوقف إن كان ثابتا على تقدير العكس أيضا كان دورا وإلا كان ترجيحا بلا مرجح والأظهر أن يقال كان ترجيحا بلا مرجح إذ ليس هناك ترجيح حقيقة وجوابه أنه إن أريد بتوقفه على إفادته للمخرج ما يتناول التوقف على سبيل المعية فبطلان التالي ممنوع وإن أريد به التوقف على سبيل العلية فالملازمة ممنوعة حجة النافي مطلقا أمران الأول أن اللفظ حقيقة في العموم ولم يرد منه وما دونه من المراتب مجازات واللفظ صالح لها